أحمد بن محمد مسكويه الرازي

29

الحكمة الخالدة ( جاويدان خرد )

ما اخترته من آداب بزرجمهر قال : رأيت الدنيا ذات تصرف وزوال ؛ ورأيت أهلها رهائن مصائب ومتالف « 1 » ؛ ورأيت المتاع فيها قليلا والفناء كثيرا ؛ ورأيت أن العيش زهيد والتبعة مخوفة ؛ ورأيت أن الدنيا « 2 » لو فتحت بأسرها لامرئ حتى يعطى من سرورها ونعيمها وما تشره « 3 » إليه النفوس من كل مطلوب كان منافسا فيها « 4 » فأتاه من ذلك ما تمنى ورفع عنه الآفات والمخاوف ووقى المكاره والشرور والأذى ، ورزق السعة من المال وقرة العين في الأهل والولد والمحبة في الناس والشرف من السلطان ، ثم تمتع « 5 » بما أعطى فطال به متاعه وفضل على نظرائه وعلى أعدائه ، وغبطه الخاصة والعامة ، وبقي مشرفا مكرما قرير العين مسرورا مملى « 6 » - لكان أبعد غايته مائة عام حتى يبلى جسده ويفارقه جماله ويذل عزه وينمحق سلطانه « 7 » ، ثم أبعد ما يخلف بعده ثلاثمائة عام حتى يصير جميع ما جمع متفرقا ، وما عمل [ 12 ا ] منتشرا ، وما شيد خرابا ، فيصير اسمه مجهولا وذكره منسيا وحسبه خاملا وشرفه حقيرا وما نعم وبالا وما كسب خبالا ، ويرث سلطانه ولاة الأمور بعده وتنساق الأرزاق والمواريث من الأول إلى الآخر . فلما رأيت كل مجموع متفرقا ، وكل مكسوب مستلبا إلا التقوى وعمل البر الذي لا يسلب « 8 » عامله ولا يبلى ولا يهلك ، رأيت عند ذلك أن أوجه رأيي « 9 » وقولي وفعلى إلى عمل « 10 » البر فيكون ذلك هو الكسب الذي اكتسب والعقد الذي اعتقد . فلم أزل أحب العمل

--> ( 1 ) ص : رهائن سالف . ( 2 ) أن : ناقصة في ص . ( 3 ) ف : تسره - وشره ويشره ( من باب فرح ) شرها ( بالتحريك ) إلى الطعام : اشتد حرصه عليه . ( 4 ) ف : مطلوب منافسا فأتاه . . . ( 5 ) ص : منع . ( 6 ) مملى : ممتع - يقال ملاك اللّه حبيبك : أي متعك به وأعاشك معه طويلا ، وتمليت عمرى : استمتعت به . ( 7 ) ينمحق : وردت في ط ، ولم ترد في ف ، ص . ( 8 ) ص : يسكب عاملة . ( 9 ) رأيي : ناقصة في ف . ( 10 ) عمل : ناقصة في ف .